29 رجب 1438 هـ   -  26 ابريل 2017 م
Skip Navigation Linksالرئيسة > إصدارات الدار
تحميل الكتاب
أدب المستفتي
أدب المستفتي

المفتي كالطبيب، متخصص في حرفته مطلوب هو بعينه لداء بعينه، وكما لا يجوز استباحة الطب لكل مدَّعٍ علمًا، كذلك لا يجوز التصدر للإفتاء إلا للمتخصص الحاذق، فإن التصدر للفتوى بغير علم مجلبة للعنت محدث للفساد كما أن مآل ادعاء الطب إلى تدهور وهلاك، وإذا علمنا أن المفتي إنما يوقع عن الله سبحانه وتعالى، إذ هو وارث عن الأنبياء علمهم، ناقل عن الفقهاء حكمهم بعد تصور الفتوى وتكييفها، وبيان حكمها ثم إنزالها على الواقع؛ علمنا واجب المستفتي إزاءهم، ومدى تحري الأدب بين أيديهم. وهذا الكتاب تصدره دار الإفتاء بيانًا لهذه الآداب المرعية عند طلب الفتيا، مشددة على أن طلب الفتيا تكون عند أهلها، العالمين بمسالكها، والسالكين عوالمها، أصحاب العلم الشرعي والفقه الواقعي، فلا يغتر بمظهر لا يصدق عن مخبر، فإنه من التدليس والتلبيس، وإن كثيرا من دعاة هذا الزمان يكتفون بقراءة كتاب أو كتابين، دون التلقي على المشايخ وأهل العلم، ويفتون الناس من واقع الكتب النظرية دون نظر إلى واقع الحياة العملية، فيضلون ويضلون.
وإن سلامة الدين تستتبع تقصي أهل الله الموقعين عنه بالإفتاء، وتحري طلبهم وعدم استثقال متابعتهم والتوصل إليهم، ثم إخلاص النية لله عند السؤال، فلا يسأل تعنتًا ولا امتحانًا، فإن العلم كما قيل لا يتعلمه مُستحٍ ولا مستكبر. ثم تجريد النفس لطلب الحق وتوطينها على قبول الحكم، والأدب مع المفتي، فإنه مبلغ عن الله أوامره، والأدب مع المبلغ أدب مع المبلغ عنه.
واعلم أيها المستفتي أنك كما تَصْدُق طبيبَك لِيحسن علاجك، كذلك صدقك مع مفتيك من غضب الله تنجيك، والفتوى لو خالفت واقع المستفتي لا تحلل له حرامًا ولا تحرم على غيره حلالًا، فإن المفتي وارث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له به قطعة من النار».

Feedback