14 محرم 1440 هـ   -  24 سبتمبر 2018 م
الرئيسة  >> الحكمة والموعظة الحسنة  >> من فقه التعامل مع العالم الخار ... 

من فقه التعامل مع العالم الخارجي


جاء عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ: مَرَّةً فِي جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (متفق عليه).

هنا في هذا الحديث يحث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على ترك التعصب للقبيلة والطائفة والعرق، ويعتبر ذلك - عليه أفضل الصلاة والتسليم - من دعوى الجاهلية، ويصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبشع وصف فيقول عليه أفضل الصلاة والتسليم: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».

إن التعصب يؤدي إلى إثارة الضغائن والاختلاف بين أهل الدين الواحد، وهذا أعظم حجاب يحجب الناس - عندما يرون الفرقة والاختلاف - عن التأثر بهذا الدين والدخول فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد تعريف الناس أجمعين بهذا الدين، ومن ثم الاعتراف بأحقيته، فهو الدين الحق الخاتم لكل الشرائع والأديان.

وأي خروج عن هذه القيم والمبادئ يضر بمبدأ الدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولقد بلغ سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم الغاية والمنتهى في الحكمة عندما تحدث عنه عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين بالمدينة هذا الحديث الآثم عندما قال: وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، ويعلم الله ورسوله أن الأعز في كل شيء وفي كل موقف هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك لم يبال رسول الله صلى الله عليه وسلم بما بلغه عن هذا المنافق وهو الذي ثقته في الله سبحانه وتعالى لا يضاهيها شموخ واستقرار الجبال الراسيات.

ولا يطيق سيدنا عمر بن الخطاب هذا الكلام في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول وهو الصادق القادر على فعل ما يقول: " دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ"، وانظروا إلى الرؤية الثاقبة والحكمة الكاملة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يأمر سيدنا عمر بتركه وشأنه، ويبين الحكمة من ذلك فيقول عليه أفضل الصلاة التسليم: "حتى لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ"، والسؤال هنا من "الناس" هنا، ولماذا لا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحدث هؤلاء الناس أنه يقتل أصحابه؟

والجواب أن المقصود بالناس هنا "العالم الخارجي"، الذي كان يمثله في ذلك الوقت بالدرجة الأولى الفرس في العراق والروم في الشام والقبط في مصر، هؤلاء لا يغيبون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الدين الحق الذي هو الإسلام، لو أن هؤلاء الناس وصل إلى مسامعهم أن محمدا يقتل أصحابه ففي هذه الحالة يمكن أن يظنوه طاغية أو ديكتاتورا يرغم قومه على اعتناق ما يبثه إليهم، وعندئذ سوف يصيب دعوته فقدان المصداقية والأحقية، وما كان محمد إلا رسول من قبل رب العالمين، لذلك كان من الحكمة – التي كان  نصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الكمال والمنتهى - ألا يقتل أحدا ممن حوله حتى ولو كان منافقا من عتاة المنافقين؛ حتى لا يسيء أهل الأرض الظن بالدعوة إلى الإسلام القائمة على الحق والحقيقة والحكمة والموعظة الحسنة.
وصلاة وسلاما عليك يا سيد الخلق يا رسول الله.
 

Feedback