ألا لله الدين الخالص

 الإخلاص سر خاص بين العبد وربه، لا اطِّلاع لأحدٍ عليه؛ والإخلاص لله تعالى معناه: أن يجعل الإنسان عبادته خالية من أي شائبة؛ فتكون خالصة يُراد بها وجه الله تعالى وحده وابتغاء مرضاته، فإذا فعل ذلك كانت عبادته متحققة بالإخلاص، ووقعت على الوجه الذي يريده الله عز وجل؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]، والمعنى: أن لا يقبل من الأعمال إلَّا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، خالصًا من الشرك والرياء، وهذا كله يرجع إلى نية الإنسان؛ لذا فقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في غير موضع؛ فقـال الله تعالـى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
وهذا أيضًا ما قرَّره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الشريف الذي افتتح به الإمام البخاري "صحيحه"؛ فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قـال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
فقد أخبر النبي صلى الله عليه آله وسلم في هذا الحديث أن الله تعالى لا يقبل العمل إلا إذا أخلص فيه العبد لله وحده، وقصد به وجهه؛ فالناس هم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد.
ويؤكد هذا المعنى أيضًا حديث قدسي؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» رواه مسلم.
ويعد الإخلاص معيارًا لقبول الأعمال وردِّها؛ يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].
وقد ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَـسُحِبَ عَـلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» رواه مسلم
وفي هذا الحديث دليل واضح على أن مدار الأمر على إخلاص النية لله تعالى، والصدق في معاملة الخالق جل وعلا، وأن فعل هذه الأمور -على عظمها- لا يفيد صاحبه إن أراد من ورائها ثناء الناس، بل إن العقوبة عليها حينئذٍ تكون عقوبة مغلظة.
وكما أن الله تعالى يحب الإخلاص في العبادة بالمعنى الذي سبق، فإنه جلَّ وعلا أيضًا يحب الإخلاص في العمل، ومعناه: الإتقان، والمراقبة الذاتية من الإنسان لنفسه، حتى تقع الأعمال على وفق مراد الله تعالى الذي يتمثَّل في: عمارة الأكوان، بجانب عبادة الرحمن، وتزكية نفس الإنسان.
وبالإخلاص في العمل تكون نهضة المجتمعات، ويتحقق السلام الاجتماعي بين الأفراد، وقد أرشدنا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام إلى ضرورة إتقان الأعمال فقال مُرَغِّبًا: «إِنّ اللهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ» رواه البيهقي.
-----
- المراجع:
- "صحيح البخاري" للإمام محمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط. دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ.
- "صحيح مسلم": للإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- "المعجم الأوسط" للطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ط. دار الحرمين، القاهرة.
- "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ.

اقرأ أيضا

ألا لله الدين الخالص

 الإخلاص سر خاص بين العبد وربه، لا اطِّلاع لأحدٍ عليه؛ والإخلاص لله تعالى معناه: أن يجعل الإنسان عبادته خالية من أي شائبة؛ فتكون خالصة يُراد بها وجه الله تعالى وحده وابتغاء مرضاته، فإذا فعل ذلك كانت عبادته متحققة بالإخلاص، ووقعت على الوجه الذي يريده الله عز وجل؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]، والمعنى: أن لا يقبل من الأعمال إلَّا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، خالصًا من الشرك والرياء، وهذا كله يرجع إلى نية الإنسان؛ لذا فقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في غير موضع؛ فقـال الله تعالـى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
وهذا أيضًا ما قرَّره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الشريف الذي افتتح به الإمام البخاري "صحيحه"؛ فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قـال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
فقد أخبر النبي صلى الله عليه آله وسلم في هذا الحديث أن الله تعالى لا يقبل العمل إلا إذا أخلص فيه العبد لله وحده، وقصد به وجهه؛ فالناس هم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد.
ويؤكد هذا المعنى أيضًا حديث قدسي؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» رواه مسلم.
ويعد الإخلاص معيارًا لقبول الأعمال وردِّها؛ يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].
وقد ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَـسُحِبَ عَـلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» رواه مسلم
وفي هذا الحديث دليل واضح على أن مدار الأمر على إخلاص النية لله تعالى، والصدق في معاملة الخالق جل وعلا، وأن فعل هذه الأمور -على عظمها- لا يفيد صاحبه إن أراد من ورائها ثناء الناس، بل إن العقوبة عليها حينئذٍ تكون عقوبة مغلظة.
وكما أن الله تعالى يحب الإخلاص في العبادة بالمعنى الذي سبق، فإنه جلَّ وعلا أيضًا يحب الإخلاص في العمل، ومعناه: الإتقان، والمراقبة الذاتية من الإنسان لنفسه، حتى تقع الأعمال على وفق مراد الله تعالى الذي يتمثَّل في: عمارة الأكوان، بجانب عبادة الرحمن، وتزكية نفس الإنسان.
وبالإخلاص في العمل تكون نهضة المجتمعات، ويتحقق السلام الاجتماعي بين الأفراد، وقد أرشدنا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام إلى ضرورة إتقان الأعمال فقال مُرَغِّبًا: «إِنّ اللهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ» رواه البيهقي.
-----
- المراجع:
- "صحيح البخاري" للإمام محمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط. دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ.
- "صحيح مسلم": للإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- "المعجم الأوسط" للطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ط. دار الحرمين، القاهرة.
- "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;