أصالة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

 عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: «إِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» رواه الحاكم في "المستدرك"، وقال عَقِبَهُ: [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ] اهـ.
ورواه مسلم في رواية طويلة عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ -أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ -».
هذا الحديث أصل في الاحتفال والاهتمام بالمولد النبوي الشريف، حيث إنه صلى الله عليه وآله وسلم نص على أن يوم ولادته له مزية على بقية الأيام، وللمؤمن أن يطمع في تعظيم أجره بموافقته ليوم فيه بركة، وتفضيل العمل بمصادفته لأوقات الامتنان الإِلهي معلوم قطعا من الشريعة، ولذا يكون الاحتفال بذلك اليوم، وشكر الله على نعمته علينا بولادة النبي، ووجوده بين أظهرنا، وهدايتنا لشريعته، مما تقره الأصول.
ولقد كان الاحتفال هنا من قبل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منصبًّا ومبنيًّا على أصغر وحدة بنائية في الزمن الكامل، وهو اليوم، فلم يصم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة في السنة، ولا مرة في الشهر، ولكن نفس اليوم، كل يوم اثنين، فلا يوجد أصغر من اليوم كوحدة زمانية، وبالتالي كان صيام ذلك اليوم مرات كثيرة جدا، الله أعلم متى بدأها سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام من عمره الشريف.
ورغم إفادة الحديث القطعية واليقين في عموم الاحتفال والاهتمام بهذه اليوم فلا تزال ثلة من خوارج العصر تصر على بطلان المعنى والمغزى المستفاد من الحديث.
حصلت مداولات وأخذ ورد كثير استغرق عشرات بل مئات السنين في الاحتفال بالمولد النبوي الشريعة، واستخرج المؤيدون أدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ وهو يفيد سنية واستحباب تذكر الأيام العظيمة القدر لا في حياة المسلمين فقط وإنما في مسيرة أهل الأرض جميعا، ولا شك أن يوم مولد سيد الخلق هو من أحق الأيام وأولاها بالتذكر والاحتفال والاهتمام.
ومن السنة: الحديث الذي بين أيدينا وقد بينا وجه الاستدلال به هنا.
واحتج الشيخ ابن الجزري (الإمام في القراءات والمتوفى سنة 833هـ) بخبر أبي لهب الذي رواه البخاري وغيره عندما فرح بمولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأعتق "ثويبة" جاريته لتبشيرها له، فخفف الله عقابه وهو في جهنم؛ فأشار إلى أنه إذا كان هذا الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي -وهو في النار- بفرحه ليلة المولد؛ فما حال المسلم الموحد من أمته حين يُسرُّ بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته.
وأما الإجماع: فهو استمرار العمل بالاحتفال بالمولد النبوي إلى يومنا هذا في جميع البلدان العربية والإسلامية على المستوى الرسمي والشعبي إلى يومنا هذا، وأجمع العلماء المحققون منذ بداية تعميم هذا الاحتفال على استحباب الاحتفال وأحقيته الدوام عليه والتعلق به، وألفت مئات بل آلاف الكتب في المولد النبوي الشريف، فكان ذلك محقق للإجماع بامتياز في جواز واستحباب هذا الأمر.
وأما القياس: فهناك مئات الحالات التي تدل على سنية الاحتفال بالأيام العظيمة في الإسلام، وخاصة مولد خير البشر وأفضلهم، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن ذلك الاحتفال بمولد السيد المسيح عليه السلام الذي يحتفل به العالم كله، فإذا كان العالم يحتفل بمولد سيدنا عيسى عليه السلام فمن باب أولى الاحتفال بمولد سيد الأنام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
فهل بعد الاستدلال بالأدلة الأربعة الإجمالية من أدلة الفقه المتفق عليها في المذاهب الفقهية الأربعة يمكن أن يعترض معترض أو ينتقد منتقد.
ولكن الخوارج في كل زمان ومكان يأبون أن ينالوا هذا الفضل، بل ويصدون الناس عنه، فما أشد خيبتهم وعماهم أن يحرموا من هذا النعيم المقيم، وبدلا من أي يفرحوا بدورة جديدة من دورات مولده صلى الله عليه وآله وسلم تفلسفوا وجحدوا ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
وصلِّ اللهم على سيد خلقك سيد الكونين سيدنا ومولانا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;