} <

موسوعة الفتاوى الإسلامية

موسوعة الفتاوى الإسلامية

مقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:

فإن الإفتاء هو الإخبار بحكم شرعي في واقعة معينة عن دليل لمن سأل عنه، فالمفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء كما يدل عليه الحديث الشريف، قال الإمام النووي: «اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى».

والفتوى عبارة عن إنزال وتطبيق الأحكام على الوقائع والأحوال والحوادث المتجددة ولهذا فإنها تختلف باختلاف الجهات الأربع: الزمان والمكان والأحوال والأشخاص.

وصناعة الفتوى تمر بمراحل أربع، وهي: مرحلة التصوير وفيها يتم تصوير المسألة أو الواقعة، ومرحلة التكييف وفيها يتم إلحاق الصورة أو الواقعة محل النظر بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله، ومرحلة بيان الحكم المأخوذ من الأدلة الشرعية، ثم مرحلة الإفتاء أو تنزيل الحكم على الواقع.

وإذا كان الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية فإن الفتوى بمثابة ربط للحوادث والوقائع المتجددة بالفقه المجرد؛ ولذا اهتم الفقهاء بتدوين الفتاوى أو النوازل أو الواقعات وكلها تسميات للحوادث المتجددة التي يفتي فيها فقيه معين أو فقهاء مذهب أو مكان معين، وكانت هذه الفتاوى تشتمل على استنباط الأحكام ممن هم أهل لذلك من مجتهدي المذاهب، أو من أهل التخريج، وأصحاب الوجوه، أو تشتمل على ترجيح قول على آخر ممن هم أهل للترجيح، فكانت تجمع إلى الاجتهاد فى التطبيق اجتهادا أو تخريجا أو ترجيحا، وإن اقتصر الأمر في فتاوى المتأخرين على تطبيق الأحكام في الحوادث، إلا أنها لم تخل في الواقع من الأخذ بما تقتضيه أقوال الفقهاء وما تدل عليه عبارات المؤلفات المعتبرة.

وقد عد المصنفون في أنواع العلوم علم الفتاوى ضمن فروع علم الفقه ، وعرفه في أبجد العلوم نقلا عن مدينة العلوم بأنه: «علم تروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الواقعات الجزئية ليسهل الأمر على القاصرين من بعدهم»، ولما لكتب الفتاوى من أهمية فقد اعتبرها فقهاء الأحناف من كتب نقل المذهب وإن جعلوها في الطبقة الثالثة، فقد قسمت مسائل الحنفية إلى ثلاث طبقات: الأولى مسائل الأصول أو ظاهر الرواية، والثانية: مسائل النوادر، والثالثة: الفتاوى والواقعات. قال في رد المحتار: «وهي: مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون، لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية... إلخ».

وقد ألف الفقهاء في مختلف المذاهب، والأمصار والأعصار، كتب الفتاوى ما بين كبير وصغير ومتوسط، ورتبوها غالبا على أبواب الفقه، وكثر التصنيف في ذلك حتى قال في أبجد العلوم نقلا عن مدينة العلوم أيضا: «والكتب المصنفة في هذا العلم أكثر من أن تحصى فلا مطمع لاستقصاء ما فيها وأشهر من أن تخفى فلا حاجة إلى التعرض لها. انتهى».

ومن أقدم الكتب التي وصلتنا في هذا الفن كتاب النوازل لأبي الليث السمرقندي ت 373هـ، وله أيضا كتاب عيون المسائل، ومن أشهرها في فقه الحنفية: الفتاوى الخانية، والخيرية، والبزازية، والفتاوى الحامدية، والفتاوى الهندية، وغيرها الكثير، وفي مذهب المالكية: فتاوى ابن رشد والشاطبي والونشريسي والبرزلي، وغيرها، وعند الشافعية: فتاوى ابن الصلاح والنووي والسبكي وابن حجر الهيتمي، وغيرها الكثير.

وفي العصر الحديث جمعت فتاوى كثير من العلماء وجمعت كذلك فتاوى كثير من الهيئات والمؤسسات والمجامع الفقهية في كتب مستقلة أو على شبكة الإنترنت حتى صار أكثر من أن يحصى، فضلا عن فتاوى المدعين الذين لا حظ لهم في شيء من العلم إلا النقل عن الكتب.

أما فتاوى دار الإفتاء المصرية فهي تراث عظيم يستمد مكانته من مكانة دار الإفتاء المصرية في العالم الإسلامي بما تمثله من وسطية الأزهر ومنهجه القويم الذي ارتضاه المسلمون شرقا وغربا، وقد زاد عدد هذه الفتاوى على ثمانين ألف فتوى حتى سنة 2003 وزعت على 164 سجلا ورقيا قيدت به الفتاوى بدءا من فتاوى فضيلة الشيخ حسونة النواوي حتى فتاوى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب المفتي السابق وشيخ الأزهر الحالي، وزاد عدد هذه الفتاوى على مائة ألف فتوى بما فيها فتاوى فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، وتغطي هذه الفتاوى الفترة من 13/ 11/ 1895 -وهو تاريخ أول فتوى وجدت بالسجلات- إلى الآن، وتشتمل على فتاوى أعلام المفتين في هذه الفترة وهم ثمانية عشر مفتيا ستأتي تراجمهم بعد هذه المقدمة .

وتعد هذه الفتاوى كنزا فقهيا ينهل منه الباحثون والدارسون وخاصة في الفتاوى المتعلقة بالمسائل المستجدة والمعاصرة، بالإضافة إلى قيمتها في التوثيق للبحوث المختلفة التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها فهي صورة صادقة عن الوقائع الموجودة في المجتمع المصري بل العربي والإسلامي.

لكن هذا التراث للأسف الشديد كان مهملا لا يستفاد منه حتى امتد الإهمال إلى السجلات التي قيدت فيها الفتاوى فتمزقت أوراق بعضها وظهرت آثار الرطوبة على بعضها الآخر حتى كادت تمحو ما كتب فيها ولم تلق شيئا من العناية إلا ما طبع منها من مختارات في عشرين مجلدا في عهد فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله تعالى، وتم تصوير معظم السجلات ورقيا، ثم طبع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي ثلاثة مجلدات من الفتاوى المختارة من فتاواه، وكان هذا آخر ما نشر من فتاوى دار الإفتاء المصرية.

ثم كان فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية -حفظه الله- أول من تنبه إلى ضرورة الحفاظ على هذا التراث الممتد لأكثر من مائة عام فحرص على الاهتمام والعناية بهذا التراث العظيم في رؤية شاملة ومشروع متكامل، فتم استكمال تصوير جميع السجلات ورقيا ورقميا وتم إدخالها جميعا في شكل نص على أجهزة الكمبيوتر، وحفظت السجلات الأصلية بدار الوثائق المصرية وأودع عدد من النسخ الورقية والرقمية في خزائن البنك المركزي.

ثم أصدر فضيلته أوامره بإنشاء إدارة خاصة للعناية بهذا التراث فكان إنشاء إدارة تراث الفتاوى التي كان جل عملها العناية بهذا التراث تصحيحا وتدقيقا ومقابلة على أصوله الخطية، ثم تصنيف هذه الفتاوى على الأبواب الفقهية وخدمة نصوصها بما يسهل الاستفادة منها ومن ذلك تخريج الأحاديث والآيات والتعريف بالأعلام والكتب والمصادر الواردة في نصوص هذه الفتاوى وشرح غريب ألفاظها... إلخ.

وهذه الموسوعة التي تصدر الآن في تسعة وثلاثين مجلدا تتضمن مختارات من فتاوى دار الإفتاء المصرية في الموضوعات المختلفة، وقد رتبت الفتاوى فيها على الموضوعات الفقهية، ووضع لكل فتوى عنوان يدل على محتواها، ومبادئ تلخص الأحكام الواردة في الفتوى، ووضعت بيانات كل فتوى (رقم الفتوى في السجلات وتاريخها واسم المفتي) في هامش أولى صفحات الفتوى، كما ذيِّل كل مجلد منها بفهارس للآيات والأحاديث والكتب والمصادر الواردة في نصوص الفتاوى.

كما أرفق مع المجلدات أسطوانة مدمجة ببرنامج يحتوي على كامل المجلدات مع إمكانية البحث في نصوص الفتاوى عن طريق بعض الكلمات أو عن طريق التصنيف الفقهي أو عن طريق اختيار فتاوى مفت معين.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;