} <

موسوعة الفتاوى المؤصلة

موسوعة الفتاوى المؤصلة

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:
فإن دار الإفتاء المصرية تقوم بدور رياديٍّ فعَّالٍ في الجانب الإفتائي والبحث الفقهي، وبيان ما التبس على المسلمين من أمور دينهم ودنياهم وكل ما استجد على ساحة الحياة المعاصرة.

ولا شك أن البحث العلمي دائمًا يمثل نقطة البدء لتقدم الأمم وازدهار الحضارات، وأن حركة البحث العلمي عامة، والفقهي خاصة، هي من المظاهر الدالة على تفاعل المسلمين مع واقعهم المعاصر واستمرارية تواصلهم مع تراثهم الأصيل في علاقة تكاملية مبتغاها الأساسي: القيام بواجب الاستخلاف الإلهي للإنسان، والسعي للإصلاح في الأرض، والارتقاء بالإنسان الْمُكَرَّم في أصل خِلْقته، ولذا فحركة البحث الفقهي تستتبع الحفاظ على الهوية الحضارية للمسلمين، وتبرهن على تميز جوهرها بأعمق عوامل البقاء وعلى تساميها عن التقيد بالزمان أو المكان أو الأشخاص أو الأحوال.

ومن مظاهر حركة البحث الفقهي الإسلامي: الفتوى الفقهية، وهي عملية تطبيقية تربط بين العلم الشرعي النظري وبين الواقع المتغير الملموس وفقا لقواعد وأصول محددة لتعمل على تحقيق المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، وهذا يعني أن الإفتاء صناعة فنية تتطلب المتخصصين، وتحتاج للتعامل الدقيق مع الأدوات والمعطيات؛ لتخرج الفتوى محقِّقةً مصالح العباد ومراعية أحكام الشريعة، وإذا لاحظنا واقعنا المعاصر وما يجري فيه من التطور والتغير بل والتدهور للأسف؛ ظهرت حاجتنا الماسة إلى إبراز حقيقة البحث الفقهي المعتمد في إصدار الفتاوى من خلال بيان أصوله النظرية وفروعه ونماذجه التطبيقية.

ومع الابتلاء بتصدر غير المؤهلين للإفتاء في هذا العصر – وكثيرٌ ما هم- في مختلف وسائل الإعلام وما أحدثوه من فوضى وتخبط وحيرة لدى عامة المسلمين، تتأكد الحاجة إلى إظهار الحِرَفِيَّة في صناعة الفتوى وإبراز تفاصيل العملية الذهنية التي تدور في عقل المفتى ليصل في نهايتها إلى الحكم الشرعي الصحيح في مسألة مخصوصة أو واقعة معينة، فيتدرج بادئًا بالتصوير ثم التكييف ثم الحكم ثم التدليل ثم التنـزيل والإفتاء، وحينئذ يكون البحث العلمي الرصين هو العلامة الفارقة بين الفتاوى الشرعية المؤصلة وبين الكلام المرسل على عواهنه، وهو في الوقت ذاته العصمة الحقيقية للأمة من اتباع الشيطان؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 83].

وحرصًا من دار الإفتاء المصرية على نشر صناعة الفتوى الصحيحة فإنها تدعو العلماء والفقهاء وطلبة العلم في التخصصات الشرعية كلها إلى الاهتمام بهذا الجانب والتوسع فيه وتحويله إلى بحوث أكاديمية ورسائل علمية، وتأصيله تأصيلًا تفصيليًّا من أجل انطلاق البحث العلمي بأحكم صوره؛ فكم نحتاج في عصرنا هذا إلى البحث العلمي المتخصص، وإلى التعمق والبعد عن التعميم والسطحية، وإلى الجمع بين الأصالة والتجديد، وإلى العناية بالبعد الإنساني في الخطاب الإسلامي، وإلى التصدي بقوة وحكمة للقضايا المثارة، وتغليب المنطق العلمي القائم على الإقناع والبعد عن الخطاب الإنشائي، والجمع بين المثالية والواقعية، وإبراز الأبعاد التربوية والروحية والحضارية في الخطاب الإسلامي.

كما يجب مراجعة إدراك الواقع كل حين؛ بما فيه التمييز بين الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية، والفرق بين فقه الأمة وفقه الأفراد، وطريقة الاختيار الفقهي سواء أكان من جهة رجحان الدليل الجزئي، أم من جهة مراعاة المصلحة، أم بالانتقاء في كل مسألة على حدة من الفقه الإسلامي الواسع الموروث فيما فيه اجتهاد من السابقين مع القيام باجتهاد جديد في المسائل المحدثة، مع مراعاة جهات التغيّر الأربع: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؛ حتى نحقق المصالح ولا نخرج عن المقاصد الشرعية أو الإجماع الثابت الواضح، وبذلك نأخذ جانب النسبية في البحث العلمي والاجتهاد الفقهي ونتائجه؛ لأنه جهد بشري، مع الإيمان بأن النص المقدس من كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ مطلقٌ.

وقيامًا بالدور المنوط بدار الإفتاء المصرية في نشر الإسلام الوسطي المعتدل المتمثل في منهج الأزهر الشريف، كلفنا الفريق الشرعي في إدارة الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية باستقراء الواقع وانتقاء عدد من المسائل والموضوعات والقضايا التي تشغل الأذهان، وتعمُّ بها البلوى؛ لعمل فتاوى شرعية فيها، على أن تكون متنوعة في مختلف أبواب العلم والفقه، مع بيانها بيانًا شافيًا، وألا يقتصر فيه الأمر على ذكر الحكم في المسائل بصورة موجزة، ولا يصل فيه الأمر إلى حد الاستقصاء والاستفاضة في العرض والتي لا يستفيد منها سوى المتخصصين، وإنما وقع الاختيار على منهج وَسَطِيٍّ جامع بين خصائص البيان الشرعي الموجز المفهوم لكل قارئ، وبين خصائص البحث الفقهي المتعمق المقصود لكل متفقه، فقام الفريق بالعمل على تأصيل تلك الفتاوى المختارة تأصيلا علميًّا ثم تقسيمها وترتيبها وفهرستها وفقًا لشجرة الأبواب الفقهية؛ ليتبلور ذلك الجهد والعمل في صورة هذا الكتاب الموسوم بـ «موسوعة الفتاوى المؤصلة» الصادرة عن إدارة الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية، وهو جهد سنين من العمل الدءوب والبحث المتواصل من ذلك الفريق الذي تدرب على مهارات البحث الفقهي وعملية الإفتاء في صورتها المكتوبة.. فشَكَرَ اللهُ لهم ولمن عاونهم في هذا الصنيع الذي نرجو أن ينفع الله به كل من طالعه وأفاد منه ونشره، وعمل على إشاعة منهجه في منطلقه وأدواته ومقاصده والمبني على أصول منهج الأزهر الشريف، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أ.د/ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;