قول كل عام وأنتم بخير أو عيدكم مبارك في الأعياد

 ما حكم مقولة "كل عام وأنتم بخير" في المواسم والأعياد، وكذلك مقولة "عيدكم مبارك" في العيدين؛ حيث يدَّعي البعض أنها ليست مشروعة وأنها تحية الكفار، وأنها سرت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا، ومشابهة الكفار في تهنئة أعيادهم لا تجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رواه أبو داود، وأنه لا يقال ذلك في عيد الأضحى ولا في عيد الفطر فضلًا عن غيرهما، ولا يجوز إلا قول "تقبل الله طاعتكم".
ويبررون إباحة العلماء لها بأنهم لا يدركون أنها من عادات الكفار، مدَّعين أن بعض عادات وتقاليد الكفار قد لا يحيط بها علمًا بعضُ العلماء؛ لبُعد بلده عن بلادهم، واطلاع بعض العلماء عليها بحكم قُرب سكنه لهم ومجاورته لهم، فكان له علم بهذه العادة السيئة المتبع فيها الكفار والتي سَرت إلى بلاد المسلمين على جهل منهم فيها وبحكمها، وأنه قد جرى إنكار هذا القول من قبل بعض كبار علماء السنة والجماعة؟

 يستحب للمسلم تهنئة أخيه في كل ما يصيبه من الخير؛ سواء أكان ذلك في الأعياد أم كان في المناسبات الخاصة، ويجوز له ذلك بكل لفظ يحمل معنى الأماني الطيبة والدعوات الصالحة مما اعتاد عليه الناس بينهم، ومن ذلك قولهم: "عيدكم مبارك"، أو "كل عام وأنتم بخير"، بل يستحب التهنئة بهما؛ لما فيهما من الدعاء بالخير، والتبشير به، وأما نفي جواز ذلك أو القول ببدعيته لمشابهته لقول الكفار: فهو كلام باطل؛ إذ المنهي عنه في مشابهة الكفار هو مشابهتهم في عقائدهم الكفرية أو عاداتهم التي ورد النهي عنها في شرعنا، أما ما لم يرد عنه نهي في شرعنا من عاداتهم أو أقوالهم الحسنة فلا يشمله النهي عن التشبه بهم، بل هو مما يندب فعله.

التفاصيل ....

 "كل عام وأنتم بخير": كلمة تقال في أيام الأعياد والمواسم، تعارف الناس أن يُهنِّئ بعضُهم بها بعضًا، وهي جملة خبرية لفظًا، إنشائيةٌ معنًى، والمقصود بها: الدعاء بدوام الخير هذا العام والأعوام القابلة، وكذلك مقولة "عيدكم مبارك"؛ فهي خبر في اللفظ، ودعاء في المعنى؛ أي: جعل الله عيدَكم مباركًا.
والتهنئة في أصلها: هي الدعاء لمن أصابه خير، وإظهار السعادة لأجله.
قال العلامة الأمير الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير" (5/ 370، ط. مكتبة دار السلام): [(هنأته)، أي: دعوت الله له أن يهنيه ما أولاه، وأظهرت السرور بما ناله] اهـ.
والدعاء عبادة مأمور بها على كل حال؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وقال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» أخرجه ابن ماجه في "السنن"، وأحمد وأبو داود الطيالسي في "مسنديهما"، والبخاري في "الأدب المفرد"، والطبراني في "المعجم الكبير"، وصححه الحاكم في "المستدرك".
وقد رغَّب الشرع الشريف في خصوص دعاء المسلم لأخيه، وبيَّن أنه مستجاب؛ فعن عبد الله بن يزيد قال: حدثني الصنابحي أنه سمع أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول: "إِنَّ دُعَاءَ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُسْتَجَابُ" أخرجه الإمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن المبارك في "الجهاد"، والدولابي في "الكنى والأسماء".
وقال العلَّامة الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن" (5/ 1707، ط. مصطفى الباز): [وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب ويحصل له مثلها] اهـ.
واستحبت الشريعة للمسلمين أن يُهَنِّئَ بعضُهم بعضًا ويدعو بعضهم لبعض بالخير في خواتيم العبادات؛ وفي كل أمر صالح يعود عليهم، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو للحاج عند تمام حجه، ولصائم رمضان عند فطره، وللتائب من الذنب عند توبته.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني أريد هذه الناحية الحج، فمشى معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: «يَا غُلَامُ، زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ، وَكَفَاكَ الْهَمَّ»، فلما رجع الغلام سلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فرفع رأسه إليه وقال: «يَا غُلَامُ، قَبِلَ اللهُ حَجَّكَ، وَكَفَّرَ ذَنْبَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ» أخرجه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وابن السني في "عمل اليوم الليلة".
وقد جاء الشرع الشريف بتفضيل بعض الأزمنة على بعض؛ ففضّل شهر رمضان، والعشرَ الأُوَل من ذي الحجة، ويومي العيدين، وليلةَ القدر، وثلثَ الليل الأخير، وهذه الأوقات المفضلة من نعم الله على عباده؛ إذ فيها مزيدُ تَجَلٍّ ورحمة من الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ [إبراهيم: 5].
وإذا كان الدعاء مستحبًّا على كل حال فإنه في الأحوال والأوقات والأمكنة الفاضلة يتأكد استحبابه وتزيد فضيلتُه، ويرُجَى قبولُه وإجابتُه، ومن أعظم هذه الأوقات: يوما العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى؛ إذ هما يأتيان بعد أوقات شريفة اختُصت بالاجتهاد في العبادة، فعيد الفطر المبارك هو يوم جائزة المسلم عقب شهر رمضان المعظم بصيامه وقيامه وما فيه من الصدقات وأنواع العبادات.
وعيد الأضحى المبارك هو المصاحب لمناسك الحج، والتالي لصيام الأيام التسعة الأُوَل من ذي الحجة، وهي أيام أقسم الله بها لعِظَم فضلها؛ فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ ۞ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2].
وقد صنف جماعة من العلماء في استحباب التهنئة عند حصول النعم: كالحافظ ابن حجر العسقلاني في "جزء التهنئة في الأعياد"، والحافظ الجلال السيوطي في "وصول الأماني بأصول التهاني"، والعلامة الزرقاني في "رسالة في التهنئة والتعزية والإصلاح بين الناس".
فإذا اجتمعت التهنئة بالأوقات والأحداث السعيدة، مع الدعاء بعموم الخير واستمراره، أو البركة في الأحوال والأوقات كان ذلك أشد استحبابًا وأكثر أجرًا وأدعى لربط أواصر المودة بين المسلمين.
وقد نص فقهاء المذاهب المتبوعة على استحباب التهنئة بالأعياد، ومنها قول المسلم لأخيه "عيدكم مبارك":
فعند الحنفية:
قال العلامة الطحطاوي الحنفي في حاشيته على "مراقي الفلاح" (ص: 530، ط. دار الكتب العلمية): [والتهنئة بقوله "تقبل الله منا ومنكم" لا تنكر، بل مستحبة؛ لورود الأثر بها، كما رواه الحافظ ابن حجر عن "تحفة عيد الأضحى" للعلامة أبي القاسم المستملي بسند حسن، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: "تقبل الله منا ومنكم"، قال: وأخرجه الطبراني أيضًا في "الدعاء" بسند قوي اهـ. قال: والمتعامَلُ به في البلاد الشامية والمصرية: قولُ الرجل لصاحبه: "عيد مبارك عليك" ونحوه، ويمكن أن يلحق هذا اللفظ بذلك في الجواز الحسن واستحبابه؛ لما بينهما من التلازم] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار" (2/ 169، ط. دار الفكر): [(قوله لا تنكر) خبر قوله والتهنئة.. وقال المحقق ابن أمير حاج: بل الأشبه أنها جائزة مستحبة في الجملة، ثم ساق آثارًا بأسانيد صحيحة عن الصحابة في فعل ذلك، ثم قال: والمتعامل في البلاد الشامية والمصرية "عيد مبارك عليك" ونحوه، وقال: يمكن أن يلحق بذلك في المشروعية والاستحباب؛ لما بينهما من التلازم؛ فإن من قبلت طاعته في زمان كان ذلك الزمان عليه مباركًا، على أنه قد ورد الدعاء بالبركة في أمور شتى، فيؤخذ منه استحباب الدعاء بها هنا أيضًا] اهـ.
وعند المالكية:
قال العلامة شهاب الدين النفراوي في "الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني" (1/ 275، ط. دار الفكر): [سئل الإمام مالك رضي الله تعالى عنه عن قول الرجل لأخيه يوم العيد: "تقبل الله منا ومنك"، يريد الصوم وفعل الخير الصادر في رمضان، "غفر الله لنا ولك"، فقال: "ما أعرفه ولا أنكره". قال ابن حبيب: معناه لا يعرفه سُنَّةً، ولا ينكره على من يقوله؛ لأنه قول حسن؛ لأنه دعاء، حتى قال الشيخ الشبيبي: يجب الإتيان به؛ لِمَا يترتب على تركه من الفتن والمقاطعة، ويدل لذلك: ما قالوه في القيام لمن يقدم عليه، ومثله: قول الناس لبعضهم في اليوم المذكور: عيد مبارك، وأحياكم الله لأمثاله، ولا شك في جواز كل ذلك، بل ولو قيل بوجوبه لَمَا بعد؛ لأن الناس مأمورون بإظهار المودة والمحبة لبعضهم] اهـ.
وعند الشافعية:
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 283، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(فائدة) قال القمولي: لم أر لأحد من أصحابنا كلامًا في التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذري عن الحافظ المقدسي أنه أجاب عن ذلك: بأن الناس لم يزالوا مختلفين فيه، والذي أراه أنه مباح لا سنة فيه ولا بدعة. انتهى] اهـ.
وأما الادعاء ببدعية التهنئة بقول: "كل عام وأنتم بخير"، أو "عيد مبارك"، والادعاء بلزوم التقييد بقول: "تقبل الله طاعتكم"، فهو دعوى باطلة لا سند لها من عقل أو نقل؛ ذلك لأن الشرع الشريف لم يقيد التهنئة بلفظ دون لفظ، أو حال دون حال، بل أمر بها على جهة العموم، ليشمل بذلك جوازها بكل لفظ يدل على معناها ومقصودها مما اعتاده الناس:
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَتَدْرُونَ مَا حَقُّ الْجَارِ؟ إِنِ اسْتَعَانَ بِكَ أَعَنْتَهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنِ افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِنِ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ اتَّبَعْتَ جَنَازَتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ» أخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق"، والطبراني في "المعجم الكبير" و"مسند الشاميين"، والبيهقي في "شعب الإيمان".
وقد جاءت السنة النبوية بالتهنئة في أحوال عديدة، وبألفاظ مختلفة.
فوردت التهنئة بلفظ "هنيئًا مريئًا" و"هنيئًا لك" في حال حصول الشيء المحبوب، أو التبشير بالبشرى:
فروى الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 2]، مَرجِعَه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ؛ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، قال أصحابه: هَنِيئًا مَرِيئًا.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، قال: فنزلنا بغدير خُمٍّ، قال: فنودي: الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرة فصلى الظهر فأخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟» قالوا: بلى، قال: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟» قالوا: بَلَى، قال: فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: «اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»، قال: فلقِيَهُ عمر رضي الله عنه بعد ذلك فقال: "هَنِيئًا لَكَ يا ابن أبي طالب، أصبحتَ وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة" أخرجه الإمام أحمد في "المسند" و"فضائل الصحابة"، وابن أبي شيبة في "المصنف"، والشجري في "ترتيب الأمالي".
ووردت التهنئة عند الشفاء من المرض بلفظ: "ليهنك الطهر".
وعن مسلم بن يسار قال: كان أحدهم إذا برأ قيل له: "لِيَهْنِكَ الطُّهْرُ" أخرجه الإمام أحمد "الزهد"، وأبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء".
ووردت التهنئة عند النكاح بلفظ "بارك الله لك"، وبلفظ "على الخير والبركة":
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم كان إذا رفَّأ الإنسانَ إذا تزَوَّج قال: «باركَ الله لَكَ، وبَارَكَ عليكَ، وجَمَعَ بينكما في خيرٍ» أخرجه أحمد في "المسند" وابن ماجه وأبو داود والترمذي والدارمي في "السنن".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "تزوجني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأتتني أمي فأدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر" متفق عليه.
وعن معاذ بن جبل، رضي الله عنه قال: شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إملاك رجل من أصحابه فقال: «عَلَى الْخَيْرِ وَالْإِلْفَةِ وَالطَّائِرِ الْمَيْمُونِ، وَالسَّعَةِ فِي الرِّزْقِ، بَارَكَ اللهُ لَكُمْ، دَفِّفُوا عَلَى رَأْسِهِ» أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" و"الدعاء"، والأصبهاني في "حلية الأولياء".
فلم يرد في الشرع الشريف ما يقيد أوقات التهنئة بوقت دون وقت، أو حال دون حال، بل جعل ذلك مرهونًا بعادات الناس وأعرافهم، سواء كان من الأعياد والمواسم العامة، أم كان من الأمور الخاصة بالأشخاص، كتحقيق نجاح، أو تجاوز صعاب، أو غير ذلك مما يسعد به الناس، كما لم يرد أيضًا ما يقيدها أيضًا بلفظ دون لفظ، بل تُرِكَ ذلك لما اعتاد عليه الناس من ألفاظ وعبارات ما دامت تحمل في طياتها الأماني الطيبة والدعوات الحسنة.
ونص الفقهاء على أنه يجوز التهنئة بما اعتاد الناس عليه من ألفاظ، ومنها قولهم: "كل عام وأنتم بخير".
قال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (3/ 56، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [ويحتج لعموم التهنئة لما يحدث من نعمة أو يندفع من نقمة: بمشروعية سجود الشكر والتعزية، وبما في "الصحيحين" عن كعب بن مالك رضي الله عنه، في قصة توبته لما تخلف عن غزوة تبوك، أنه لما بشر بقبول توبته ومضى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام إليه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فهنأه، أي: وأقره صلى الله عليه وآله وسلم "مغني" و"نهاية" قال: ع ش قوله: مر "تقبل الله" إلخ أي: ونحو ذلك مما جرت به العادة.. وتسن التهنئة بالعيد ونحوه من العام والشهر على المعتمد مع المصافحة] اهـ.
وقال العلامة الشبراملسي الشافعي في حاشيته على "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" (2/ 401-402، ط. دار الفكر): [(قوله: تقبل الله منا ومنك)، أي: نحو ذلك مما جرت به العادة في التهنئة ومنه المصافحة، ويؤخذ من قوله في يوم العيد: أنها لا تطلب في أيام التشريق وما بعد يوم عيد الفطر، لكن جرت عادة الناس بالتهنئة في هذه الأيام، ولا مانع منه؛ لأن المقصود منه التودد وإظهار السرور] اهـ.
وقال العلامة سليمان الجمل الشافعي في "حاشيته على شرح المنهج" (2/ 105، ط. دار الفكر): [وقوله "تقبل الله منا ومنك"، أي: ونحو ذلك مما جرت به العادة في التهنئة، ومنه المصافحة ويؤخذ من قوله "في يوم العيد" أنها لا تطلب في أيام التشريق وما بعد يوم عيد الفطر، لكن جرت عادة الناس بالتهنئة في هذه الأيام ولا مانع منه؛ لأن المقصود منه التودد وإظهار السرور.. وعبارة البرماوي: والتهنئة بالأعياد والشهور والأعوام مستحبة، ويستأنس لها بطلب سجود الشكر عند حدوث نعمة، وبقصة كعب وصاحبيه رضي الله عنهم حين بشر بقبول توبته لما تخلف عن غزوة تبوك وتهنئة أبي طلحة له وتسن الإجابة فيها بنحو "تقبل الله منكم"، "أحياكم الله لأمثاله"، "كل عام وأنتم بخير"] اهـ.
وقال العلامة البيجوري في "حاشيته على متن أبي شجاع" (1/ 291): [وتسن التهنئة بالعيد ونحوه من العام والشهر على المعتمد، مع المصافحة إن اتحد الجنس، فلا يصافح الرجل المرأة ولا عكسه، ومثلها الأمرد الجميل، وتسن إجابتهما بنحو "تقبل الله منكم"، "أحياكم الله لأمثاله"، "كل عام وأنتم بخير"] اهـ.
وقال العلامة الرحيبانى الحنبلي في "مطالب أولي النهى" (1/ 804-805، ط. المكتب الإسلامي): [ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضًا بما هو مستفيض بينهم من الأدعية] اهـ.
وقد ورد في خصوص التهنئة بالدعاء بالبركة نصوص عديدة، يستفاد منها جواز ذلك مطلقًا.
فعن السري بن يحيى، أن رجلًا ممن كان يجالس الحسن ولد له ابن، فهنَّأه رجل فقال: "ليهنك الفارس"، فقال الحسن: "وما يدريك أنه فارس؟! لعله نجار، لعله خياط"، قال: فكيف أقول؟ قال: "قل: جعله الله مباركًا عليك، وعلى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم" أخرجه الطبراني في "الدعاء".
هذا بالإضافة إلى أن هذه الألفاظ هي ألفاظ حسنة تبشر بالخير، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نكون من المبشرين.
فروى الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا».
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ» أخرجه البخاري في "صحيحه".
أما القول بالنهي عن ذلك لما فيه من التشبه بالكفار، فهو قول مردود وتلبيس للحق بالباطل، فالنهي عن التشبه بالكفار إنما هو في عقائدهم الباطلة، وقبائح أعمالهم، لا في العادات البشرية السائغة، والمجاملات الإنسانية الحسنة، والأماني الطيبة التي يتمناها الإنسان لأخيه الإنسان، والتي يحث عليها الإسلام ويدعو لها.
وقد نص العلماء على أنه ليس كل تَشَبُّهٍ بأهل الكتاب يكون حرامًا حتى يكون الفعل نفسه مذمومًا، وأنّ الأمر على التفصيل، بل ذكروا أن مِنَ التَّشَبُّه ما يكون ممدوحًا عليه فاعلُه:
قال الإمام أبو المكارم نجم الدين الغزي العامري الشافعي في كتابه "حسن التنبه لما ورد في التشبه" (7/ 299-300، ط. دار النوادر): [تنبيه: ما يُنْهَى عن التشبه فيه بأهل الكتاب هو: ما تلبسوا به مما نهاهم عنهم أنبياؤهم قبل نسخ دينهم، أو مما ابتدعوه ولم يكن مشروعًا ثم نُسِخ.
فأما ما لم يقبل النسخ واتفقت عليه الأمم كالتوحيد وأصول العقائد المتفق عليها، فهذا دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يصح النهي عنه بحال.
وأما ما يقبل النسخ ولم يُنسَخْ كمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق.. فهذا يُتَشبَّه فيه بصالحي أهل الكتاب وغيرهم، ما لم يثبت في شريعتنا خلافه؛ كسجود التحية، فيُجتَنَب.
تتمة: بان لك بأن التشبه بأهل الكتاب على قسمين:
مذموم منهي عنه: وهو التشبه بضُلَّالِهم، ومحمود ومأمور به أو مندوب إليه: وهو التشبه بهُدَاتِهِم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ۞ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114] اهـ.
ونص كذلك المحدِّثون والفقهاء من مختلف المذاهب الفقهية على أنه يشترط في تحريم التشبه: قصدُ حصوله؛ فلا يكون مَن حصل منه ما يشبه صنيعَ أهل الكتاب متشبهًا بهم حتى يكون قاصدًا لحصول الشبه:
فعند الحنفية: يقول العلامة ابن نُجَيْم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 11، ط. دار المعرفة): [اعلم أن التشبُّه بأهل الكتاب لا يُكْرَه في كل شيء؛ فإنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنما الحرام هو التشبه فيما كان مذمومًا، وفيما يُقصَدُ به التَّشبُّه، كذا ذكره قاضيخان في "شرح الجامع الصغير"؛ فعلى هذا لو لم يقصد التشبه لا يُكْرَه عندهما] اهـ.
وعند المالكية: يقول العلامة أبو الحسن بن بَطّال في "شرح صحيح البخاري" (2/ 85، ط. مكتبة الرشد) في كلامه على باب: "مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ، فَأَرَادَ بِهِ وجه اللهَ"، والذي أورد فيه الإمام البخاري حديث ابن عباس رضي الله عنهما: انكسفتِ الشمسُ، فصلَّى نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ قال: «أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ»: [الصلاة جائزة إلى كل شيء إذا لم يقصد الصلاة إليه وقصد بها اللهَ تعالى والسجودَ لوجهه خالصًا، ولا يَضُرُّه استقبالُ شيء من المعبودات وغيرها، كما لم يَضُرَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم ما رآه في قبلته من النار] اهـ.
هذا مع كون الفقهاء قد نصوا على كراهة الصلاة إلى النار أو التماثيل أو غيرهما مما يُعْبَد من دون الله؛ لِمَا في ذلك من التشبه بالمجوس وعبدة الأصنام وغيرهم من أهل الشرك.
وعند الشافعية: جاء في "الفتاوى الفقهية" للعلامة شيخ الشافعية ابن حجر الهيتمي (4/ 234، ط. دار الفكر): [وسُئِل رحمه الله تعالى ورضي عنه: هل يحل اللعب بالقسيّ الصغار التي لا تنفع ولا تقتل صيدًا، بل أُعِدَّتْ لِلَعِبِ الكفار، وأكل الموز الكثير المطبوخ بالسكر، وإلباس الصبيان الثياب الملونة بالصفرة؛ تبعًا لاعتناء الكفرة بهذه في بعض أعيادهم ..
فأجاب نفع الله تبارك وتعالى بعلومه المسلمين بقوله:
لا كفر بفعل شيء من ذلك، فقد صرّح أصحابنا بأنه لو شد الزنار على وسطه، أو وضع على رأسه قلنسوة المجوس، لم يكفر بمجرد ذلك اهـ، فعدم كفره بما في السؤال أَوْلَى، وهو ظاهر، بل فعل شيء مما ذُكِر فيه لا يحرم إذا قصد به التشبه بالكفار لا من حيث الكفر، وإلا كان كفرًا قطعًا، فالحاصل أنه إن فعل ذلك بقصد التشبه بهم في شعار الكفر كفر قطعًا، أو في شعار العيد مع قطع النظر عن الكفر لم يكفر ولكنه يأثم، وإن لم يقصد التشبه بهم أصلًا ورأسًا، فلا شيء عليه] اهـ.
وبناءً على ذلك: فإنه يستحب للمسلم تهنئة أخيه في كل ما يصيبه من الخير سواء كان ذلك في الأعياد العامة أم كان في المناسبات الخاصة، ويجوز له ذلك بكل لفظ يحمل معنى الأماني الطيبة والدعوات الصالحة مما اعتاد عليه الناس بينهم، ومن ذلك قولهم: "عيدكم مبارك"، أو "كل عام وأنتم بخير"، بل يستحب التهنئة بهما؛ لما فيهما من الدعاء بالخير، والتبشير به، وأما نفي جواز ذلك أو القول ببدعيته لمشابهته لقول الكفار: فهو كلام باطل؛ إذ المنهي عنه في مشابهة الكفار هو مشابهتهم في عقائدهم الكفرية أو عاداتهم التي ورد النهي عنها في شرعنا، أما ما لم يرد عنه نهي في شرعنا من عاداتهم أو أقوالهم الحسنة فلا يشمله النهي عن التشبه بهم، بل هو مما يندب فعله.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;