المقصود بالطائفة في حديث: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق»، ومعنى القتال فيه

 ما معنى القتال في حديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ»؛ حيث يستدل به أتباع جماعات التطرف والعنف أنهم هم المذكورون في الحديث لأنهم يقاتلون؟! ومن هم الطائفة المذكورة في العصر الحالي؟

 لا علاقة لجماعات التطرف والعنف؛ كتنظيم داعش ومن على شاكلته بهذه المعاني النبوية السامية، بل هم جماعات إرهابية لها ممارسات عدوانية شاذة تجاه العُزَّل والأبرياء.
والقتال الذي يشير إليه الحديث النبوي الشريف: هو الدفاعُ وردّ العدوان، وقد يأتي في صورة حسيّة بإعداد العُدَّة كما هو شأن الجيوش النظامية القائمة الآن في الدولة الحديثة، وقد يأتي في صورة معنويّة باللسان والبيان وإقامة الحجة والبرهان، وهو ما جاء به الشرع الشريف، ودلّت عليه نصوص الدين الحنيف، وجعل له شروطًا وقيودًا وضوابط صارمة.
وأما الطائفة المذكورة في الحديث الشريف فيمثلها قطاع عريض من خيار الأمة المحمدية؛ من جيوش تعمل تحت راية الدولة، ومن علماء مخلصين سائرين على طريق الهدى والرشاد إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

التفاصيل ....

 أخرج الإمامان: مسلم في "صحيحه"، وأحمد في "مسنده" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
أولًا: المقصود بالطائفة:
دلالة لفظ (طائفة) في كلام العرب واصطلاح أهل العلم تشير إلى الجماعة من الناس، والأصل في الطائفة في معهود كلام العرب أنها لا تُحدُّ بعدد معلوم، أما العلماء فقد اختلفوا في حدِّها وعددها فجعلوها ما بين الواحد إلى الألف. ينظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (3/ 432-433، ط. دار الفكر)، و"لسان العرب" لابن منظور (9/ 226، ط. دار صادر)، و"تاج العروس" للزبيدي (24/ 104، ط. دار الهداية).
وقد اختلف العلماء في المراد بالطائفة المذكورة في هذا الحديث الشريف؛ فذهب الإمام البخاري إلى أنهم أهل العلم؛ فقال في "صحيحه" بعد أن ساق الحديث: [وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ] اهـ.
وذهب الإمامان: أحمد وعلي بْنُ المَدِينِيِّ إلى أنهم أهل الحديث؛ لأنهم أهل التقوى والصلاح الذين تصدوا بهدي السنة المطهرة لأهل البدع الضلال. ينظر: "سنن الترمذي" (4/ 485، ط. مصطفى البابي الحلبي)، و"معرفة علوم الحديث" للحاكم النيسابوري (1/ 2، ط. دار الكتب العلمية).
والحق أن هذه الطائفة المباركة يمثلها قطاعٌ عريضٌ من خيار أمة الإسلام؛ كالجيوش التي تقاتل بإذن وليِّ الأمر تحت راية حق معلومة، والعلماءِ المخلصين في شتى علوم الدين والدنيا، وأهل الصلاحِ والتقوى الساعين بالخير في صلاح العباد والبلاد؛ قال العلامة المُنَاوِي الحنفي في "فيض القدير" (6/ 395، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [ويحتمل أن هذه الطائفة مؤلفة من أنواع المؤمنين؛ منهم شجعان، ومنهم فقهاء، ومنهم مُحدِّثون، ومنهم زُهَّاد، وغير ذلك] اهـ.
وقال العلامة الإمام النووي الشافعي في "المنهاج" (13/ 66-67، ط. دار إحياء التراث العربي): [ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين: منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] اهـ.
ثانيًا: معنى القتال المشار إليه في الحديث الشريف:
كلمة «يُقَاتِلُونَ» في الحديث الشريف وردت على معنى المفاعلة التي تدل على المشاركة في الفعل بين طرفين: أحدهما: المبدوء بالقتال، ويُسمى (مُقَاتِلًا) لدى نهوضه للمقاومة والدفاع. والآخر: البادئ بالعدوان ويُسمى (قاتلًا).
وعلى هذا: فهناك فرق كبير في المعنى بين التعبير بكلمة «يُقَاتِلُونَ» التي تشير إلى الدفاع والمقاومة ردًّا للعدوان، وبين لفظة (يقتلون) التي تعني البدء بالعدوان والمبادرة بالهجوم بقصد القتل؛ لذلك عَدَلَ البيان النبوي الشريف عن التعبير بها.
وقد أدرك العلماء والفقهاء المحققون تلك المعاني الدقيقة الفارقة بين لفظي "القتال" و"القتل"، وفهموا أن القتال إنما شُرع لردِّ العدوان، لا للبدء بالقتل والعدوان؛ قال العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (1/ 77، ط. دار المعرفة): [قال ابن دقيق العيد: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل؛ فقد يَحِلُّ قِتَال الرجل ولا يَحِلُّ قَتْلُهُ] اهـ.
وقال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (6/ 2474، ط. دار الفكر): [«يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ» أي: على تحصيله وإظهاره «ظَاهِرِينَ» أي: غالبين منصورين] اهـ.
وقد شُرِعَ القتال في الشريعة الإسلامية على المكلفين المخاطبين بأحكامها من أجل ردِّ المعتدين، والدفاع عن دينهم وأنفسهم وأموالهم، وهو إما على الكفاية أو الوجوب؛ حيث جاء الأمر للمسلمين بقتال من قاتلهم دفاعًا عن أنفسهم وحمايةً لحوزة الدين، وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
فالقتال في شريعة الإسلام سببه ردّ العدوان؛ فغير المقاتلين لا يجوز التعرَّض لهم بالأذى فضلًا عن سفك دمائهم واستباحة حرماتهم، وإنما يُراعى في حقهم جانب السلم، بل إن الشرع الشريف قد أمر بِبِرِّهم ولزوم مسلك العدل معهم، ووصلِهِم بالقسط إليهم؛ يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
والشرع الشريف حين شرع القتال دفاعًا عن النفس وردًّا للبغي والعدوان؛ كما سبق الإيضاح والبيان، جعل لذلك شروطًا وقيودًا وضوابط صارمة، يقف على فهمها مَن تأمل بعينٍ متدبرة؛ قولَ الله تعالى في الآية المحكَمة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
وقد تناول العلماء هذه الشروط والضوابط بالشرح والتوضيح، وتقرر لديهم أن الأمر الإلهي بالقتال جاء مشترطًا قتالَ مَن قاتَلَ، والكفَّ عمن كفَّ فلم يقاتِل.
فإن قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إلى آخر الآيات، يشير إلى عدة معانٍ؛ منها: أن هؤلاء المقاتلين هم البادئون بالاعتداء، فهُم الفاعلون للقتال والمتلبسون به، ولا يُعدُّ المستعدّ للقتال والمتأهب له مقاتلًا في نظر الشرع الشريف؛ قال فخر الدين الرازي في "مفاتيح الغيب" (5/ 288، ط. دار إحياء التراث العربي): [ظاهر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يقتضي كونهم فاعلين للقتال، فأما المستعدّ للقتال والمتأهل له قبل إقدامه عليه فإنه لا يوصف بكونه مقاتلًا] اهـ.
ومنها: النهيُ عن البدء بالقتال، وعن قتلِ النساء والأطفال والشيوخ والمعاهَدين، وكذا التمثيلِ بالمحارب حيًّا كان أو ميتًا، والغدرِ، وعدُّ ذلك من الاعتداء؛ قال العلامة الزمخشري في "الكشاف" (1/ 235، ط. دار الكتاب العربي): [﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ بابتداء القتال، أو بقتال من نُهِيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان، والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة] اهـ.
ومنها: أن الاستمرار في قتالِ مَن كف عن العدوان يُعدُّ ظلمًا كبيرًا وعدوانًا عظيمًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 193].
قال العلامة الآلوسي في "روح المعاني" (1/ 472، ط. دار الكتب العلمية) في بيان المعنى المراد من هذه الآية: [أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين، وتنعكس الحال عليكم، وفيه من المبالغة في النهي عن قتال المنتهين ما لا يخفى] اهـ.
يضاف إلى ما سبق: أن القتال إظهارًا للحق قد يأتي في صورة حسيّة إذا كان بالسِّنان وإعداد عُدَّة الجهاد، وهو شأن الجيوش وولي الأمر القائم عليها.
وقد يأتي في صورة معنويّة إذا كان باللسان والبيان وإقامة الحجة والبرهان، وهو شأن العلماء؛ قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (8/ 3495): [القتال: إما مقاتلة حسية أو معنوية على ظهور الحق] اهـ. وينظر: "كفاية الحاجة" للعلامة السندي (1/ 7، ط. دار الجيل).
وعلى ذلك، وبالنظر في الواقع والمآلات التي نعيشها في وقتنا الحالي: فإن تنظيم "داعش" وما شاكله من الجماعات والتنظيمات الإرهابية، لا يحقّ لهم الادعاء بأنهم هم الطائفة المذكورة في الحديث الشريف، وزعمهم هذا باطل؛ لأنهم في حقيقة الأمر يَقْتلُونَ ولا يُقَاتِلُون، وقد شقّوا عصا الطاعة وخرجوا على الجماعة وليس لهم راية حقٍّ يقاتلون تحتها.
بل إن استدلالهم بهذا الحديث الشريف لأنفسهم هو أدلُّ دليلٍ على عظيم جرائمهم، وخسيسِ أفعالهم، وأنهم اتبعوا في الفهم والتطبيق سقيم المناهج، ليؤكدوا بذلك أنهم ماضون على أثر أسلافهم الخوارج؛ قال العلامة ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (1/ 47-48، ط. المكتب الاسلامي): [وقع الاختلاف، وكثرت النحل، وتقطعت العصم، وتعادى المسلمون، وأَكْفَرَ بعضُهم بعضًا، وتعلق كل فريقٍ منهم لمذهبه بجنسٍ من الحديث؛ فالخوارج تحتج بروايتهم: «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ»] اهـ.
ومما يدلّ على أن الدواعش هم خوارج العصر، وأنهم بعيدون كلّ البعد عن صفات الطائفة المشار إليها في الحديث الشريف: خروجهم على الحكام المسلمين، وتكفيرهم للسواد الأعظم من أمة الإسلام، وتسفيههم للعلماء المحققين، وإباحتهم لدماء المسلمين وغير المسلمين المصونة المعصومة باليقين الشرعي.
فهؤلاء الخوارج فيما يمارسونه من قتل وسفك للدماء واعتداء يزعمون أنه جهاد، قد خرجوا على الجماعة، وليس معهم إذنٌ من حاكمٍ مسلمٍ موكولٍ إليه أمرُ القتال، خبيرٍ بشئون الحرب وأحوال العدو، فإن هذا من شروط الجهاد الحق؛ قال العلامة ابن قدامة في "المغني" (9/ 213-214، ط. مكتبة القاهرة): [لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكولٌ إليه، وهو أعلم بقلة العدو وكثرتهم، ومكامنهم وكيدهم؛ فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحوط للمسلمين] اهـ.
فهؤلاء الدواعش يمارسون القتل تحت راية عَمِيَّةٍ، ويتجرؤون على قتل من أثبت الشرع الحنيف عصمة دمه؛ مخالفين بذلك صحيح الدين الإسلامي الحنيف ومبادئه السمحة التي جاءت بحفظ النفس والعرض والمال والعقل والدين للناس كافة.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فهناك فرقٌ شاسعٌ بين القتال الذي يشير إلى الدفاع وردّ العدوان، ويكون بالسِّنان وباللسان؛ وهو ما جاء به الشرع الشريف، ودلّت عليه نصوص الدين الحنيف، وجعل له شروطًا وقيودًا وضوابط صارمة، وبين القتل الذي يشير إلى البدء بالعدوان والمبادرة بالبغي؛ وهو ما نهى عنه الشارع الحكيم، وتوعد صاحبه بالعذاب الأليم.
وأما الطائفة المذكورة في الحديث الشريف فيمثلها قطاع عريض من خيار الأمة المحمدية؛ من جيوش نظامية تعمل تحت راية الدولة وولي الأمر، وعلماء مخلصين سائرين على طريق الهدى والرشاد إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
ولا علاقة لتنظيم داعش بهذه المعاني النبوية السامية، بل هم جماعة إرهابية لها ممارسات عدوانية شاذة تجاه العُزَّل والأبرياء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

المقصود بالطائفة في حديث: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق»، ومعنى القتال فيه

 ما معنى القتال في حديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ»؛ حيث يستدل به أتباع جماعات التطرف والعنف أنهم هم المذكورون في الحديث لأنهم يقاتلون؟! ومن هم الطائفة المذكورة في العصر الحالي؟

 لا علاقة لجماعات التطرف والعنف؛ كتنظيم داعش ومن على شاكلته بهذه المعاني النبوية السامية، بل هم جماعات إرهابية لها ممارسات عدوانية شاذة تجاه العُزَّل والأبرياء.
والقتال الذي يشير إليه الحديث النبوي الشريف: هو الدفاعُ وردّ العدوان، وقد يأتي في صورة حسيّة بإعداد العُدَّة كما هو شأن الجيوش النظامية القائمة الآن في الدولة الحديثة، وقد يأتي في صورة معنويّة باللسان والبيان وإقامة الحجة والبرهان، وهو ما جاء به الشرع الشريف، ودلّت عليه نصوص الدين الحنيف، وجعل له شروطًا وقيودًا وضوابط صارمة.
وأما الطائفة المذكورة في الحديث الشريف فيمثلها قطاع عريض من خيار الأمة المحمدية؛ من جيوش تعمل تحت راية الدولة، ومن علماء مخلصين سائرين على طريق الهدى والرشاد إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

التفاصيل ....

 أخرج الإمامان: مسلم في "صحيحه"، وأحمد في "مسنده" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
أولًا: المقصود بالطائفة:
دلالة لفظ (طائفة) في كلام العرب واصطلاح أهل العلم تشير إلى الجماعة من الناس، والأصل في الطائفة في معهود كلام العرب أنها لا تُحدُّ بعدد معلوم، أما العلماء فقد اختلفوا في حدِّها وعددها فجعلوها ما بين الواحد إلى الألف. ينظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (3/ 432-433، ط. دار الفكر)، و"لسان العرب" لابن منظور (9/ 226، ط. دار صادر)، و"تاج العروس" للزبيدي (24/ 104، ط. دار الهداية).
وقد اختلف العلماء في المراد بالطائفة المذكورة في هذا الحديث الشريف؛ فذهب الإمام البخاري إلى أنهم أهل العلم؛ فقال في "صحيحه" بعد أن ساق الحديث: [وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ] اهـ.
وذهب الإمامان: أحمد وعلي بْنُ المَدِينِيِّ إلى أنهم أهل الحديث؛ لأنهم أهل التقوى والصلاح الذين تصدوا بهدي السنة المطهرة لأهل البدع الضلال. ينظر: "سنن الترمذي" (4/ 485، ط. مصطفى البابي الحلبي)، و"معرفة علوم الحديث" للحاكم النيسابوري (1/ 2، ط. دار الكتب العلمية).
والحق أن هذه الطائفة المباركة يمثلها قطاعٌ عريضٌ من خيار أمة الإسلام؛ كالجيوش التي تقاتل بإذن وليِّ الأمر تحت راية حق معلومة، والعلماءِ المخلصين في شتى علوم الدين والدنيا، وأهل الصلاحِ والتقوى الساعين بالخير في صلاح العباد والبلاد؛ قال العلامة المُنَاوِي الحنفي في "فيض القدير" (6/ 395، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [ويحتمل أن هذه الطائفة مؤلفة من أنواع المؤمنين؛ منهم شجعان، ومنهم فقهاء، ومنهم مُحدِّثون، ومنهم زُهَّاد، وغير ذلك] اهـ.
وقال العلامة الإمام النووي الشافعي في "المنهاج" (13/ 66-67، ط. دار إحياء التراث العربي): [ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين: منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] اهـ.
ثانيًا: معنى القتال المشار إليه في الحديث الشريف:
كلمة «يُقَاتِلُونَ» في الحديث الشريف وردت على معنى المفاعلة التي تدل على المشاركة في الفعل بين طرفين: أحدهما: المبدوء بالقتال، ويُسمى (مُقَاتِلًا) لدى نهوضه للمقاومة والدفاع. والآخر: البادئ بالعدوان ويُسمى (قاتلًا).
وعلى هذا: فهناك فرق كبير في المعنى بين التعبير بكلمة «يُقَاتِلُونَ» التي تشير إلى الدفاع والمقاومة ردًّا للعدوان، وبين لفظة (يقتلون) التي تعني البدء بالعدوان والمبادرة بالهجوم بقصد القتل؛ لذلك عَدَلَ البيان النبوي الشريف عن التعبير بها.
وقد أدرك العلماء والفقهاء المحققون تلك المعاني الدقيقة الفارقة بين لفظي "القتال" و"القتل"، وفهموا أن القتال إنما شُرع لردِّ العدوان، لا للبدء بالقتل والعدوان؛ قال العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (1/ 77، ط. دار المعرفة): [قال ابن دقيق العيد: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل؛ فقد يَحِلُّ قِتَال الرجل ولا يَحِلُّ قَتْلُهُ] اهـ.
وقال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (6/ 2474، ط. دار الفكر): [«يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ» أي: على تحصيله وإظهاره «ظَاهِرِينَ» أي: غالبين منصورين] اهـ.
وقد شُرِعَ القتال في الشريعة الإسلامية على المكلفين المخاطبين بأحكامها من أجل ردِّ المعتدين، والدفاع عن دينهم وأنفسهم وأموالهم، وهو إما على الكفاية أو الوجوب؛ حيث جاء الأمر للمسلمين بقتال من قاتلهم دفاعًا عن أنفسهم وحمايةً لحوزة الدين، وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
فالقتال في شريعة الإسلام سببه ردّ العدوان؛ فغير المقاتلين لا يجوز التعرَّض لهم بالأذى فضلًا عن سفك دمائهم واستباحة حرماتهم، وإنما يُراعى في حقهم جانب السلم، بل إن الشرع الشريف قد أمر بِبِرِّهم ولزوم مسلك العدل معهم، ووصلِهِم بالقسط إليهم؛ يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
والشرع الشريف حين شرع القتال دفاعًا عن النفس وردًّا للبغي والعدوان؛ كما سبق الإيضاح والبيان، جعل لذلك شروطًا وقيودًا وضوابط صارمة، يقف على فهمها مَن تأمل بعينٍ متدبرة؛ قولَ الله تعالى في الآية المحكَمة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
وقد تناول العلماء هذه الشروط والضوابط بالشرح والتوضيح، وتقرر لديهم أن الأمر الإلهي بالقتال جاء مشترطًا قتالَ مَن قاتَلَ، والكفَّ عمن كفَّ فلم يقاتِل.
فإن قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إلى آخر الآيات، يشير إلى عدة معانٍ؛ منها: أن هؤلاء المقاتلين هم البادئون بالاعتداء، فهُم الفاعلون للقتال والمتلبسون به، ولا يُعدُّ المستعدّ للقتال والمتأهب له مقاتلًا في نظر الشرع الشريف؛ قال فخر الدين الرازي في "مفاتيح الغيب" (5/ 288، ط. دار إحياء التراث العربي): [ظاهر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يقتضي كونهم فاعلين للقتال، فأما المستعدّ للقتال والمتأهل له قبل إقدامه عليه فإنه لا يوصف بكونه مقاتلًا] اهـ.
ومنها: النهيُ عن البدء بالقتال، وعن قتلِ النساء والأطفال والشيوخ والمعاهَدين، وكذا التمثيلِ بالمحارب حيًّا كان أو ميتًا، والغدرِ، وعدُّ ذلك من الاعتداء؛ قال العلامة الزمخشري في "الكشاف" (1/ 235، ط. دار الكتاب العربي): [﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ بابتداء القتال، أو بقتال من نُهِيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان، والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة] اهـ.
ومنها: أن الاستمرار في قتالِ مَن كف عن العدوان يُعدُّ ظلمًا كبيرًا وعدوانًا عظيمًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 193].
قال العلامة الآلوسي في "روح المعاني" (1/ 472، ط. دار الكتب العلمية) في بيان المعنى المراد من هذه الآية: [أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين، وتنعكس الحال عليكم، وفيه من المبالغة في النهي عن قتال المنتهين ما لا يخفى] اهـ.
يضاف إلى ما سبق: أن القتال إظهارًا للحق قد يأتي في صورة حسيّة إذا كان بالسِّنان وإعداد عُدَّة الجهاد، وهو شأن الجيوش وولي الأمر القائم عليها.
وقد يأتي في صورة معنويّة إذا كان باللسان والبيان وإقامة الحجة والبرهان، وهو شأن العلماء؛ قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (8/ 3495): [القتال: إما مقاتلة حسية أو معنوية على ظهور الحق] اهـ. وينظر: "كفاية الحاجة" للعلامة السندي (1/ 7، ط. دار الجيل).
وعلى ذلك، وبالنظر في الواقع والمآلات التي نعيشها في وقتنا الحالي: فإن تنظيم "داعش" وما شاكله من الجماعات والتنظيمات الإرهابية، لا يحقّ لهم الادعاء بأنهم هم الطائفة المذكورة في الحديث الشريف، وزعمهم هذا باطل؛ لأنهم في حقيقة الأمر يَقْتلُونَ ولا يُقَاتِلُون، وقد شقّوا عصا الطاعة وخرجوا على الجماعة وليس لهم راية حقٍّ يقاتلون تحتها.
بل إن استدلالهم بهذا الحديث الشريف لأنفسهم هو أدلُّ دليلٍ على عظيم جرائمهم، وخسيسِ أفعالهم، وأنهم اتبعوا في الفهم والتطبيق سقيم المناهج، ليؤكدوا بذلك أنهم ماضون على أثر أسلافهم الخوارج؛ قال العلامة ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (1/ 47-48، ط. المكتب الاسلامي): [وقع الاختلاف، وكثرت النحل، وتقطعت العصم، وتعادى المسلمون، وأَكْفَرَ بعضُهم بعضًا، وتعلق كل فريقٍ منهم لمذهبه بجنسٍ من الحديث؛ فالخوارج تحتج بروايتهم: «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ»] اهـ.
ومما يدلّ على أن الدواعش هم خوارج العصر، وأنهم بعيدون كلّ البعد عن صفات الطائفة المشار إليها في الحديث الشريف: خروجهم على الحكام المسلمين، وتكفيرهم للسواد الأعظم من أمة الإسلام، وتسفيههم للعلماء المحققين، وإباحتهم لدماء المسلمين وغير المسلمين المصونة المعصومة باليقين الشرعي.
فهؤلاء الخوارج فيما يمارسونه من قتل وسفك للدماء واعتداء يزعمون أنه جهاد، قد خرجوا على الجماعة، وليس معهم إذنٌ من حاكمٍ مسلمٍ موكولٍ إليه أمرُ القتال، خبيرٍ بشئون الحرب وأحوال العدو، فإن هذا من شروط الجهاد الحق؛ قال العلامة ابن قدامة في "المغني" (9/ 213-214، ط. مكتبة القاهرة): [لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكولٌ إليه، وهو أعلم بقلة العدو وكثرتهم، ومكامنهم وكيدهم؛ فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحوط للمسلمين] اهـ.
فهؤلاء الدواعش يمارسون القتل تحت راية عَمِيَّةٍ، ويتجرؤون على قتل من أثبت الشرع الحنيف عصمة دمه؛ مخالفين بذلك صحيح الدين الإسلامي الحنيف ومبادئه السمحة التي جاءت بحفظ النفس والعرض والمال والعقل والدين للناس كافة.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فهناك فرقٌ شاسعٌ بين القتال الذي يشير إلى الدفاع وردّ العدوان، ويكون بالسِّنان وباللسان؛ وهو ما جاء به الشرع الشريف، ودلّت عليه نصوص الدين الحنيف، وجعل له شروطًا وقيودًا وضوابط صارمة، وبين القتل الذي يشير إلى البدء بالعدوان والمبادرة بالبغي؛ وهو ما نهى عنه الشارع الحكيم، وتوعد صاحبه بالعذاب الأليم.
وأما الطائفة المذكورة في الحديث الشريف فيمثلها قطاع عريض من خيار الأمة المحمدية؛ من جيوش نظامية تعمل تحت راية الدولة وولي الأمر، وعلماء مخلصين سائرين على طريق الهدى والرشاد إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
ولا علاقة لتنظيم داعش بهذه المعاني النبوية السامية، بل هم جماعة إرهابية لها ممارسات عدوانية شاذة تجاه العُزَّل والأبرياء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;