14 محرم 1440 هـ   -  24 سبتمبر 2018 م
الرئيسة  >> اعرف نبيك  >> في سفر النبي ﷺ إلى الطائف 

في سفر النبي ﷺ إلى الطائف

 ولما نالت قريش من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله عز وجل؛ يقول موسى بن عقبة وابن إسحاق وغيرهما: "ولما توفي أبو طالب، ونالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم تكن تنال منه في حياته، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف وحده ماشيًا".
وفي حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه -عند ابن سعد- أن زيد بن حارثة كان معه في ليالٍ من شوال سنة عشر يلتمس النَّصر من ثقيف والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى.
فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة؛ عبد يَالِيل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، وهي صفية بنت معمر بن حبيب بن قدامة بن جمح، وهي أم صفوان بن أمية.
فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلَّمهم بما جاء به من نصرته على الإسلام والقيام على من خالفه من قومه.
فقال له أحدهم وهو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك!
وقال الآخر: أما وجد اللهُ أحدًا يرسله غيرك.
وقال الثالث: والله لا أكلِّمك أبدًا، لئن كنت رسولٌ من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرُدَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلِّمك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عندهم وقد يَئِسَ من خير ثقيف.
وقد قال لهم: «إِذْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَلَيَّ»، وكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ قومه.
فأقام بالطائف عشرة أيامٍ وقيل شهرًا لا يَدَعُ أحدًا من أشرافهم إلا جاء إليه وكلَّمه، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم منه، فقالوا: يا محمد اخرج من بلدنا. وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبُّونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.
قال ابن عقبة: وقفوا له صفَّين على طريقه، فلما مرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الصَّفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدمَوا رجليه.
زاد سليمان التيمي: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أذلقته الحجارة يقعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه ويقيمونه فإذا مشى رجموه بالحجارة وهم يضحكون.
قال ابن سعد: وزيد بن حارثة يَقِيه بنفسه حتى لقد شجَّ في رأسه شجاجًا.
قال ابن عقبة: فخلص منهم صلى الله عليه وآله وسلم ورجلاه تسيلان دمًا فعمد إلى حائطٍ من حوائِطِهم فاستظلَّ في ظِلِّ حبلة منه وهو مكروبٌ مُوجعٌ وإذا في الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة فلما رآهما كَرِهَ مكانَهما لِما يعلم من عداوتهما لله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم، فلما اطمأنَّ في ظِلِّ الجبلة قال ما سيأتي.
وروى الطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن جعفر رضي اللَّه عنهما إن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لما انصرف عنهم أتى ظلّ شجرة فصلى ركعتين ثم قال: «اللهم إني أشكوا إليك ضعف قوّتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهّمني أو إلى عدوّ ملكته أمري إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبال ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، مِن أن تُنزِل بي غضبك أو تُحِلَّ علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» .
فلما رآه ابنا ربيعة وما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلامًا لهما يقال له عداس فقالا له: خذ له هذا القطف من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال له: كُلْ. فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده قال: «بسم الله»، ثم أكل فنظر عدّاس في وجهه ثم قال: والله إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ومن أيِّ البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك»؟ قال: نصراني وأنا من أهل نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرية الرجل الصالح يونس ابن متّى». قال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ والله لقد خرجت منها -يعني من أهل نينوى- وما فيها عشرة يعرفون ما يونس بن متّى، فمن أين عرفت أنت يونس بن متى وأنت أمّي وفي أمّةٍ أمّيّةٍ. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم: «ذاك أخي؛ كان نبيًّا وأنا نبيٌّ». فأكبَّ عدّاسٌ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبِّل رأسَه ويديه وقدمَيه. فقال ابنا ربيعة؛ أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاء عداس قالا له: ويلك يا عداس مالك تقبِّل رأسَ هذا الرجل ويديه وقدمَيه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيءٌ خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإنَّ دينك خير من دينه. "سيرة ابن هشام" (1/ 420).
ويحسنُ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تصويرَ مشهد الاعتذار في ذلك، بعد أن ذكر القصَّة؛ فيقول:
[يا عجبًا لرموز القدر في القصة! .. لقد أسرع الخير والكرامة والإجلال، فأقبلت تعتذر عن الشر والسفاهة والطيش، وجاءت القبلات بعد كلمات العداوة.
وكان ابنا ربيعة من ألدِّ أعداء الإسلام، وممن مشوا إلى أبي طالبٍ عمِّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أشراف قريش يسألونه، أن يكفَّه عنهم أو يخلِّي بينهم وبينه، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الفريقين، فانقلبت الغريزة الوحشية إلى معناها الإنساني الذي جاء به هذا الدين؛ لأن المستقبل الديني للفكر لا للغريزة.
وجاءت النصرانية تعانق الإسلام وتعزه؛ إذ الدين الصحيح من الدين الصحيح كالأخ من أخيه، غير أن نسب الأخوة الدم، ونسب الدين العقل.
ثم أتم القدر رمزه في هذه القصة، بقطف العنب سائغًا عذبًا مملوءًا حلاوة، فباسم الله كان قطف العنب رمزًا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حَبًّا، كلُّ حبَّةٍ فيه مملكة] اهـ. "وحي القلم" (2/ 30).
ويكمل ابن إسحاق ما حدث بعد ذلك فيقول: [ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمرَّ به النفر من الجنِّ الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولَّوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا.
وقد قصَّ الله خبرهم عليه صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: 29-46] ، وقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾.. الآيات [الجن: 1- 72].
ثم عاد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم -ومعه زيد بن حارثة رضي الله عنه- يريد دخول مكة. فقال له زيد: كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فقال: «يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصرٌ دينَه ومُظهِرٌ نبيَّه».
ثم أرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره، فاستجاب مطعم لذلك.
وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة] اهـ. "طبقات ابن سعد" (1/ 196)، و"سيرة ابن هشام" (1 /381).
المصادر
- "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" للصالحي.
- "السيرة" لابن هشام.
- "الطبقات" لابن سعد.
- "وحي القلم" لمصطفى صادق الرافعي.

Feedback