13 ربيع الأول 1440 هـ   -  21 نوفمبر 2018 م
الرئيسة  >> من كنوز السنة  >> شعار السلامة ورمز النجاة في حد ... 

شعار السلامة ورمز النجاة في حديث السفينة

 عَنِ النُّعْمَانَ بْن بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» متفق عليه.
هذا مثلٌ عظيمٌ يُشبِّهُ فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حال النَّاس وموقفهم مما يكون في المجتمع من منكراتٍ بحالِ قومٍ ركبوا سفينةً، فاقتسَمُوا أماكنَهم فيها بطريقِ القرعَةِ، فكان من نصيبِ بعضهم الجزء الأعلى من السفينة، وكان من نصيب الآخرين الجزء الأسفل منها، وكان لابد لأهل السُّفلِ من الماء، فكانوا يصعدون لأعلى السفينة ليستَقوا الماء، ولما كان ممرهم على أهل العلو فقد تأذَّوا بهم؛ إذ ربما أصابهم شيءٌ من رَشاش الماء أو أُقلِقوا وقت راحتهم أو غير ذلك، فلما رأى أهلَ السفل تأذِّي أهلَ العُلُوِّ بهم عزموا على أن ينقبوا في نصيبهم نقبًا يحصلون منه على الماء دون الحاجة إلى إيذاء مَنْ فوقَهُم، ولم يدرِ هؤلاء أنَّ هذا الخَرقَ الصَّغير سيؤدِّي إن تُرِكَ إلى هلاكِ الجميعِ ويكون معنى (أصغر خرق) هو -كما قال الإمام الرافعي- "أوسع قبرٍ".
ويبيِّن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الأمرَ لا يخلو حينئذٍ من إِحدى نتيجتين:
- إما أن يقوم أهل العلوِّ بواجبهم في منع هذه الكارثة فينجو الجميع.
- وإما أن يتركوهم وشأنهم بدعوى أنَّ هذا نصيبهم يفعلون فيه ما يشاءون، وحينئذٍ تكون النتيجة الحتمية هي هلاك الجميع.
وشعار السَّلامَةِ ورمزُ النَّجاةِ الذي يتمثَّلُ في السَّفينَةِ التي كان قائدها صالحًا لقيادَتِها وأفرادها المتعاونون مع القائد ومع بعضهم البعض من أجلِ وصول السَّفينَة إلى بَرِّ الأمانِ ضرب به المثل منذ عهد نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام.
وجاء حديث سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والتسليم لكي يتضمَّن تصويرًا بديعًا للواقع، يترك في نفس المتلقي أثرًا حيًّا لكيفيَّةِ تطور الانحراف والفساد في المجتمعات الإنسانيَّة؛ فهو يبدأ صغيرًا ثم لا يزال يتَّسِعُ إن لم يتداركه القائمون على الأمر أو أهملوا في ملاحقته حتى يصعب على الاحتواء والسيطرة، حينئذٍ يقترب نذير العقاب؛ وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْهُ» أخرجه الترمذي وأبو داود.
إنَّ حديثَ السَّفينة يقرِّرُ قواعدَ عامَّة تحمل في مضامينها مقاصد جليلة ومعاني عالية النَّقاءِ تبدو في الفرد وفي الأسرة وفي المجتمع وفي الدولة وفي العلاقات الدولية والإنسانية؛ من أجل تحقيق الخير والبرِّ ورسمِ طريق الإصلاح والتَّقدُّم إذا ما أُخذت بعين الاعتبار عند التَّطبيق والممارسة العمليَّة.
وفي قولِهِ: «فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا»، حَثًّا للقائمين على الأمرِ على دوامِ اليقظةِ واستنهاضًا لعزائمهم للضَّربِ بيدِ القانون على اللَّاعِبين بقيمِ المجتمعاتِ ومصير الأوطان ومكتسبات الشعوب، منعًا من حصولِ أسبابِ الانحرافِ وشيوعِ مظاهر الفساد التي طالما تستهدف -في النهاية- الوطن بكلِّ الصور والأشكال، والأخذ على أيديهم لمنع حصول الفساد والهلاك؛ حتى يتحقَّقَ الرَّخاء والاستقرار في ربوع الوطن وينعم الناس بحياة رغيدة فيها الأمن والأمل والمستقبل.
وفي ذلك تأسيس لمبدأ الضبط الاجتماعي؛ لأنه إذا غاب تحول المجتمع إلى العشوائيَّةِ والتَّخبُّط، وهو يرسخ كذلك لمبدأ المسؤولية المشتركة عند الفرد في شتَّى شؤونه ومراحله، بما يُعلِي من قيمة المسؤولية الفردية ويؤكد أنَّها أساس للمسؤولية الجماعية، كما يرشد إلى ضرورةِ وجودِ خطواتٍ استباقيَّةٍ ووقائيَّة تمنع أصحاب الهوى وذوي الآراء الضَّعيفَةِ من إساءةِ استعمالِهم لحقوقهم بما يقي الوطن من الآثار والعواقب الوخيمة والأفكار والخطوات الارتجالية البعيدة عن الحكمة والبصيرة، والحيلولة دون وقوع الإفساد منهم ثم محاسبتهم.
والمتأمل فيما سبق من معانٍ يجد أنَّ حديث السفينة يمكن أن يؤخذ منه صيغة ناظمة ترسم معالم هادية لمسيرة الإصلاح والتقدم وتحيط المجتمع بسياج قويٍّ يحافظ عليه من صور الانحرافِ وأشكالِ الفساد التي تؤدِّي به إلى الانحطاط والهلاك.
إنَّ سفينَة هذا الوطن الغالي مصر تُبْحِرُ في هذه المرحلة الفاصلة وعلى متنِها شعبها العظيم مع تنوُّع أفكاره وتعدد طبقاته وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية تُمْخِرُ بشراعها بحرًا عميقًا عاصفًا تستهدفُ وتقصد شاطئَ الأمانِ والرَّخاءِ والتَّقدُّم إن شاء الله تعالى، وهي معانٍ سامية ينبغي أن تكونَ حاضرة في عقول وفي قلوب مواطنيها جميعًا وبصورةٍ دائمة.

Feedback